جمعية الريادة الشبابية

"لا يمكننا بناء المستقبل دائما لشبابنا، ولكن يمكننا أن نبني شبابنا للمستقبل"

كيف اخترت تخصصي الجامعي – 2

تعرفنا على في المقال السابق ( كيف اخترت تخصصي الجامعي) على كيفية اختيار أختنا فاطمة لتخصصها الجامعي و الجامعة التي ارتادتها – فكيف كانت سنتها الأولى؟ و هل استمرت تحت ضغوط عائلتها؟

بدأت الدراسة و توالت المطبات الدراسية في السقوط على رأسي حيث كنت بالكاد أنجح في إمتحاناتي. حياتي الإجتماعية مرت بمشاكلها هي الأخرى. فالتعرف على صداقات جديدة في عالم مختلف تماماً بعد أن عشت في بيئة محمية بين أهلي كان أمراً عسيراُ .. إختلاف العادات و التقاليد وحتى المسموح و الممنوع وبيئة المجتمع ومحيط الجامعة سبب لي صدمة إجتماعية ثقافية كبيرة عانيت كثيراً حتى تخلصت من آتارها. مرت السنة الأولى بصعوبة تفاديت فيها بالكاد مشاكل كبيرة كانت قد تنهي مستقبلي الدراسي . وعانيت فيها ما عانيت من تعنت مشرفات السكن و قوانينهم الغريبة حيث كان يمنع علينا تسلم أي طلب من الخارج إلى عن طريق عامل الحراسة الذي يفتش الطلب و من ثم منع الخروج و الدخول من و إلى السكن إلى عن طريق باصات الجامعة (وفي الجامعة يمنع خروجنا إلا لباص السكن) ومن ثم حين أحتاج شيئاً علي الإنتظار حتى الرحلة الإسبوعية لمدة ساعتين لأحد مراكز التسوق لقضاء إحتياجاتنا تحت مراقبة المشرفات وحتى عندما ممرت بوعكة صحية تم رفض نقلي للمستشفى قبل أن يتدخل والدي بإتصال لمديرة السكن. سبب كل ذلك لي ضغطاً كبيراُ ومصاعب نفسية أثرت على مستواي الدراسي المتعثر أصلاً.

 في الإجازة الصيفية عدت للمنزل أخيراً مصممة على إنهاء مغامرتي الدراسية لكني رضخت للضغوط العائلية وغيرت رأيي (مؤقتأ) و إلتحقت بدورة تدريبية مع الجهة التي إبتعثتني للدراسة لرؤية جو العمل و طبيعة الوظيفة التي سأشغلها حال تخرجي. أثناء دراستنا شرح لنا المرشد الجامعي أننا ندرس لنكون مخترعين أو مصممين للأجهزة والمعدات الطبية و حتى الأطراف الصناعية و كنت أتسائل بيني وبين نفسي أين سأمارس هذه الوظيفة في البحرين؟؟!! وهنا جائت الطامة الكبرى، كل عملي سيكون في إصلاح الأجهزة و المعدات الطبية الموجودة أصلاً في مستشفيات و عيادات البحرين حيث في اليوم الأول ذهبنا لأحد المستشفيات الحكومية الكبيرة لنصلح خللاً في احد أجهزة الأشعة الحديثة، تفاجأت بأن المشكلة كانت في أن أحد مسامير الجهاز غير مثبت كما يجب لذا فأن الذراع لا تتحرك، ثبت المهندس الذي أرافقه المسمار وعدنا لمقر العمل لننهي تقرير عملية الصيانة الذي قمنا بها. في اليوم التالي إتجهنا لإحدى العيادات في شركة كبيرة حيث عجزت الممرضة عن تشغيل جهاز ما وإتصلت بنا، كان الخلل أن وضعت لفة الورق الخاصة بطباعة التقارير في هذا الجهاز عكس ما يجب، أعاد المهندس الذي أرافقه تركيب لفة الورق و من ثم عدنا لمقر العمل مرة أخرى لنكتب تقريراً آخر عن عملية صيانة (أقل ما يمكننا قوله عنها أنها سخيفة) أخرى.

 تلك الدورة التدريبية فتحت عيناي على ما كنت أجهله حيث سأقضي 4 سنوات أخرى في الغربة و في ظروف أقل ما يمكنني قوله عنها أنها صعبة لأعود بشهادة هندسة نادرة في البحرين و أعمل فنية تصليح لأعمال صيانة غبية!!

 ولكن كما أسلفت أرغمتني الضغوط العائلية للعودة للإمارات لإكمال دراستي وعدم تضييع هذه الفرصة الذهبية من نيل شهادة نادرة من الخارج (دون أي إعتبار لما ممرت به أو حتى الوظيفة التي سأشغلها مستقبلاً والتي لا تناسبني و لا تلبي طموحي أو ميولي). وكان أن عدت للدراسة حيث أنجح هنا وأرسب هناك و أعيد هذه المادة و انجح في تلك بالكاد حتى أنهيت سنتين و نصف السنة من الدراسة و قررت معارضة ضغوط أهلي والعودة للبحرين نهائياً.

 كان أول شهران بعد العودة للبحرين متعبين كثيراً حيث كان علي شرح أسبابي لأهلي ومعارفنا والصديقات وكل من كان ينتظر عودتي بشهادة الباكلريوس ولأن أسبابي كانت غير مقنعة في نظرهم وخصوصاُ  انني كنت الأولى في كل عائلتنا ممن تتخلى عن دراستها الجامعية.

 بما أنني قدمت أوراق إنسحابي من جامعة البحرين حاولت العودة لها مرة أخرى لدراسة أي تخصص آخر فقط لأكف كلام الناس عني لكن بما ان كان قد مرت 3 سنوات منذ أن أنهيت دراستي الثانوية فكان علي أن أخضع لإمتحان تعجيزي في الرياضيات و الإنجليزي و العربي لم ينجح فيه خلال 5 سنوات إلا 3 طلاب !! بالتأكيد لم أنجح به و تم رفض طلبي. ثم قضيت سنة كاملة دون أي دراسة حتى قررت الدراسة في معهد البحرين للتدريب في أي تخصص متوافر فقط كي لا أبقى في المنزل و أتفادى كلام الجميع عن الفرصة الذهبية التي ضيعتها من يدي.

 الآن أحمل شهادة دبلوم أول في الإدارة المكتبية من معهد البحرين للتدريب و أعمل في وظيفة جيدة جداً (بالمقارنة مع شهادتي المتواضعة) حالياً أعرف ما أحب فبإمكاني النجاح في تخصصات بعيدة عن الرياضيات و لها تواصل مباشر مع الناس، أتقن الإنجليزية بشكل جيد جداً و أبدع في الكتابة بالعربية (بشهادة غيري). وها أنا أحلم يوماً ما بأن أستطيع إكمال دراستي الجامعية في تخصص يناسب ميولي و يتناسب مع سوق العمل في البحرين في نفس الوقت.

 كما نصحت سابقاً كل من سألني عن الدراسة الجامعية، أود أن أقدم لكم نصيحتي المتواضعة من تجربتي (الفاشلة) التي مررت بها في هذا الموضوع. أولاً، إختيار التخصص الجامعي يبدأ من المرحلة الثانوية أي قبل التخرج بسنوات. ثانياً، يسمح لنا النظام الدراسي في البحرين حالياً التخصص في السنة الثانية من المرحلة الثانوية بعد أن يدرس الطالب مختلف المواد ويختار منها ما يناسبه حسب ميوله في حينها. ثالثاً، التخصص الجامعي أو الشهادة الجامعية ليست هي الهدف الذي نسعى له طوال سنوات الدراسة الجامعية و إنما هي الجسر الذي سيحملنا نحو الوظيفة التي ستحدد مستوى و طريقة حياتنا في النهاية. نسنتج مما سبق أن ما علينا إختياره فعلاً هو ما هي وظيفة أحلامنا وكيف نريد أن نعيش حياتنا مستقبلاً؟ مثلاً من يرغب أن يصبح طياراً عليه أن يتأكد من قدرته على دراسة المواد المطلوبة لهذه الوظيفة ثم عليه أن يتأكد من أن حياته الإجتماعية و الزوجية لن تكون سهلة بسبب ترحاله الدائم و عدم إستقراره. من يريد أن يكون محامياً عليه أن يكون قادراً على الحفظ ثم الحفظ ثم الحفظ و أن يكون فصيحاً و طليق اللسان ويملك القدرة على التعبير عن نفسه وحل المشكلات بسهولة. من ثم عليه أن يكون قادراُ على التعامل مع مختلف الناس والشخصيات ممن سيدافع عنهم او ضدهم . مهنة الطب المهنة الراقية تتطلب 7 سنوات على أقل تقدير من الدراسة والتدريب للحصول على شهادة الباكلريوس ثم الدراسة المتواصلة للتطور في التخصص ومتابعة العلم الحديث. كما على من يمتهن هذه المهنة أن يكون قادراً على تحمل الضغط الكبير للعمل والدراسة المتواصلين مع محاولة موازنة ما سبق مع الحياة الإجتماعية.

 و هكذا .. يكون تقييم وإختيار التخصص الجامعي بما سيفتحه لنا من آفاق وظيفية مختلفة بما يتناسب مع ميولنا و قدراتنا الدراسية لأن ال 4 أو 5 سنوات الدراسية هذه هي ما يحدد حياتنا المستقبلية وحتى المستوى المعيشي الذي سيمكننا الحصول عليه.

  وفي الختام أتمنى أن تكون تجربتي الفاشلة درساً لكم لكي تنجحوا في حياتكم الجامعية و تحققوا أهدافاكم الحياتية وتذكروا

  ليست الشهادة الجامعية هي الهدف .. بل هي الجسر الذي نبنيه ليحملنا لأهداف أكبر.

نشكر الاخت فاطمة على مشاركتها لنا بهذه القصة الواقعية ، لما مرت به من مراحل حتى تمكنت من مواجهة واقعها الذي فرض عليها. تذكر فاطمة أن تجربتها فاشفة، و نحن نقول أنها ناجحة بكل المقاييس! فذلك الكم من الخبرات التي استفادت منها سواء على المستوى الاجتماعي و التعليمي و الثقافي لا يشترى. بل هي تجارب مرت بها و زادت في شخصيتها، حتى و ان لم تكن تلك التجارب ايجابية بشكل تام. و الأهم من ذلك كله انها قررت بنفسها متى تنهي دراستها و متى تعود لمقاعد الجامعة التي تختارها و التخصص الذي تختاره.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on يوليو 3, 2012 by in التعليم،بأقلام الأعضاء and tagged , , .

الابحار

Flag Counter

عدد الزوار

  • 46,439 زائر
%d مدونون معجبون بهذه: